الجزء الثالث النتن: لعنة الرمال السوداء

لعنة الرمال السوداء شِفرة الجزائر

شِفرة الجزائر

بعد انكشاف الخدعة في سيناء ووقوع الدوبلير في قبضة "نسر الصحراء"، كان “النتن” قد ابتعد بالفعل، متنكرًا في زيّ حاجٍّ تونسي، يعبر الحدود غربًا. الوجهة التالية: الجزائر. هناك، حيث تتعانق تلمسان بالأطلس التلي، وتتماهى الحكايات الأندلسية مع صرير القطارات الليلية، بدأت لعبة الشِفرات.

1) الوصول إلى تلمسان – ظلّ يمشي على قرميد أندلسي

نزل “النتن” ليلًا قرب محطة زناتة – تلمسان. كان يعرف أن أي تحرّك إلكتروني سيفضح مساره؛ لذلك اعتمد على شبكة قديمة من الوسطاء وصاغة الفضة. استأجر غرفة ضيقة في خان تاريخي، تُزيّن فناءه فسيفساء من الزليج الأزرق. هناك، بدأ أول خيط:

«اقرأ البلاط كأنه مخطوط. كل مربّع آية، وكل كسرٍ حرف. ستجدني حيث ينتهي الماء وتبدأ القصيدة.»

كان النقشان على إطار نافذة يفضيان إلى عين فيلالي، حيث المياه الباردة تنسكب على صخر أملس. وهناك، تحت حجر مسطّح، خبأ ظرفًا زيتونيًا يحتوي قصاصة ورقية، مكتوبٌ عليها بمزيج من العربية والقبائلية وقواعدٍ بدت كأنها رياضية أكثر منها لغوية.

2) دخول لاعبين جدد – “إيفا ميران” و”ماركوس”

في الوقت نفسه، كانت تقارير “العملية 31” قد عبرت المتوسط. ظهر على الخط فريق أجنبي صغير يضم عميلة تحمل الاسم الحركي إيفا ميران، متخصصة في الأنماط الثقافية المشفَّرة، ومعها خبير إشارات يُدعى ماركوس. لم يظهرا رسميًا؛ بل دخلا الجزائر كسائحين يبحثان عن عمارة أندلسية قديمة.

التقط ماركوس صورة لزليج مماثل في فناء الخان، ولاحظ نمطًا يتكرر كل 31 بلاطة: صليب مموّه داخل نجمة ثمانية. قال وهو يقرّب الصورة:
النمط: 8/31 — تدوير، ثم إزاحة = مفتاح تبديل.

همست إيفا: «إنه تشفير بالزخرفة. لا كلمات، بل اتجاهات. هذا الرجل يكتب بالشكل لا بالحرف.»

3) رسالة من الأطلس – “بيت القصيد”

في اليوم التالي، تلقّت غرفة عمليات إقليمية في الجزائر العاصمة إحداثيات مجهولة تكرر فيها الرقم 148 مع كلمة: القصيد. ربط “أيمن الحديدي” من القاهرة الخط: 148 قد تحيل إلى بيت قصيد في موشّحات أندلسية. أما في الجغرافيا، فقد دلّت الإحداثيات على زاوية طريق جبلية بين الأطلس التلي وطريق قديم نحو مغارات بني عاد.

عند مدخل المغارات، وجد دليلٌ محلي قطعة خزف صغيرة مطبوعة بنجمة ثمانية داخلها كسور: 1/4 | 8/16. كتب أيمن في دفتره:

«لو اعتبرنا النجمة بوصلة، فالكسور إزاحات زاوية وزمن وصول. 1/4 دورة = 90°، و8/16 تُختزل إلى 1/2 = 180°. رسالته: ربع دورة ثم نصف دورة، أي انعكاس على محورين. هذا ليس مجرد ديكور… إنه ترتيب مسير داخل المغارة.»

4) قبو “الريتم” – حين تقول الموسيقى ما لا تقوله الحروف

قادهم المسار إلى قاعة طبيعية تحت الأرض يسمّيها السكان “قبو الريتم” بسبب صدى العود فيها. على الجدار، لُصقت أوراق نوتة موسيقية قصيرة، تتكرر فيها إشارة أندانتي وتوقيع 3/4. رفعت إيفا الورقة إلى الضوء:

«إنه سِتار شفري بالميزان. كل نقرة = حرف وفق ترتيب حروف أندلسي قديم. إذا قرأناه وفق 3/4 نحصل على: المرسى — وهران — حوش 17

ابتسم ماركوس: «موسيقى تقود إلى ميناء. ذكي.»

5) وهران – ميناء العواصف القصيرة

وصلوا إلى وهران تحت مطر خفيف. “حوش 17” كان بيتًا قديماً بباب أخضر مهترئ، في حيّ يطل على البحر. في الداخل، غرفة بلا نوافذ، ورفّ خشبي عليه صناديق شاي قديمة. فتح أيمن أحدها بحذر، فوجد جهازًا صغيرًا أشبه بمحوّل شبكات، وعلى ظهره شريط لاصق مكتوب بخط دقيق: لا شيء هنا يُرسل… كل شيء يُنقش.

كان الجهاز مجرد طُعم. لكن على ظهر الرفّ، حُفرت كلمة واحدة: القصبة.

6) الجزائر العاصمة – القصبة، مدينة الحروف الحجرية

في أزقة القصبة، حيث البيوت تتساند كأكتافٍ بيضاء، بدت الشرفات كأنها تمءِل لإفشاء سرّ. دخلت إيفا وماركوس مقهى صغيرًا، وجلست قُبالة جدار يعلوه زليج أخضر وأزرق. همست إيفا: «إنه نفس النمط: ثمانية أذرع، وكل ذراع تسع مربعات. 8×9=72… هذا رقم أبواب القصبة القديمة في خرائط القرن التاسع عشر.»

كان “النتن” قد مرّ من هنا، وترك خيطًا جديدًا: بطاقة قديمة لدار مزادات في مدريد مختومة بختم دائري مكتوب حوله: بني مزغنة. ابتسم أيمن وهو يستعيد دروس التاريخ: «اسم الجزائر في كتب قديمة.» وتحت البطاقة، تاريخ متلاعب به: 14/8.

ملاحظة عملياتية: الرقم 148 يتكرر كظلّ طويل. مرة إحداثيات، ومرة تاريخ، ومرة حاصل ضرب داخل زخرفة. النمط ليس صدفة؛ إنه “مفتاح تبديل” لطبقات الشِفرة.

7) الأطلس من جديد – “مجسّ الزليج”

قادهم الخيط إلى طريق الشريعة، حيث الهواء يبرد بسرعة والضباب ينزل كستارة مسرح. هناك، على صخرة قرب استراحة قديمة، نُقشت نجمة ثمانية داخلها مصفوفة أرقام صغيرة. أخرج ماركوس قلمًا وشفرة ورقية، وبدأ ينقل النقاط:
8 محاور × 31 خانة = مصفوفة مسح.

عند محاذاة المصفوفة مع صورة الزليج الأولى في تلمسان، ظهرت كلمة واحدة بوضوح: المرآة.

«إنه يطلب انعكاسًا — قراءة كل البِنى بالعكس.» قالت إيفا.

8) المرآة – انقلاب الأدوار

بالعودة إلى كل علامات الطريق — تلمسان، مغارات بني عاد، وهران، القصبة، الشريعة — قرؤوا كل اسم معكوسًا في سجل الاتصالات. خرجت سلسلة أحرف تتطابق مع رموز شوارع قديمة حول ساحة الشهداء. في أحد الأزقة، وجدوا بابًا حديديًا يؤدي إلى قبو عميق. في الأسفل، حقيبة معدنية ثقيلة، وبداخلها:

  • دفتر وأوراق ممهورة بختم شركات وهمية يمتد معظمها إلى جزر نائية.
  • قطع زليج مقسّمة، كل قطعة مرقمة برقمين يفصل بينهما شرطة — على نمط 14-8.
  • وشريط صوتي قصير لعزف عود من ثلاث جُمل فقط.

ضحك ماركوس: «إنه يكتب بالهندسة، يوقّع بالموسيقى، ويُرسل بالجغرافيا.»

ضغط أيمن زر التسجيل: الجملة الثالثة في العزف تتوقف فجأة عند نغمة حادّة. تذكّرت إيفا الميزان 3/4 في المغارات. إذا قُطعت الجملة الثالثة قبل تمامها، فالقراءة تُستأنف من البداية… لكن مع تبديل المفتاح. أعادت حساباتها، فظهرت عبارة: ليلة بلا رياح – الساعة 31.

9) ساعة 31 – رصيف بلا سفن

في الميناء، كانت الريح ساكنة على غير العادة. عند الرصيف الجنوبي، اصطفّت صناديق حديدية عليها ملصقات شركات شحن متعددة. قال أيمن: «الساعة 31 ليست وقتًا. إنها مسار: الحاوية رقم 31 في صفّ 8.»

فتح فريق الميناء الحاوية تحت إشراف قضائي. كانت فارغة… إلا من لوحة زليج أندلسية كاملة، ملساء كمرآة. على حافتها سطر دقيق:
حين ترى نفسك كاملة… فاعلم أن نصفك مفقود.

أدرك أيمن أن الحاوية ليست هدفًا، بل كاميرا معكوسة: أي فريق يفتحها يظهر في عدسات مراقبة بعيدة. في تلك اللحظة، دوَّى صوت قصير من قارب صغير يبتعد باتجاه الغرب. نظرت إيفا بمنظارها: «ليس “النتن”. إنه حامل بريد… يسلم آخر طبقة من الشفرة إلى جهة ثالثة.»

10) من أرسل الرمز الأخير؟

عند فجر اليوم التالي، التقطت محطة إذاعية محلية بثًا عجيبًا: مقطع أندلسي على موجة ضعيفة، يتكرر فيه لحن نوبة الماية. أرسلت إيفا ترددات اللحن إلى خوارزمية بسيطة، فخرج اسم مدينة على الحدود الغربية: تلمسان… من جديد.

عاد الفريق إلى الخان الأول. في الفناء، كان البلاط رطبًا بندى الصباح. سحبت إيفا ورقة قِصاصات الزليج من الحقيبة، وبدأت تَرصّها على الأرض وفق مصفوفة 8×31. عند اكتمال اللوح، لم تظهر كلمات… بل خريطة: مسار دقيق يخرج من الجزائر إلى وهران، ثم بحرًا إلى طنجة، ثم برًا إلى سبتة. فوق المسار توقيع صغير: الوجهة الرابعة: المرآة الأصلية.

11) خاتمة هذا الجزء – “طلقة بلا بارود”

تواصل أيمن مع جهة تنسيق مغاربية. جرى الاتفاق على مراقبة المسار دون اعتراض مباشر. قال بصوت منخفض عبر الخط المشفّر:

«لا نريد “النتن” فقط. نريد من يشتري الشفرة. في الجزائر ترك توقيع الزليج، وفي المغرب سيترك توقيعًا آخر. اتركوا البحر يتكلم… الزخرفة ستفضحه.»

في اللحظة نفسها، وصل إلى بريد عمليات الجزائر ظرف بلا مُرسِل. داخله قطعة زليج صغيرة، عليها كسور: 3/4 | 1/8 | 1/1، وتحتها كلمة واحدة: الغُرفة.

يتبع في الجزء الرابع: “غرفة المرايا – طريق الزليج إلى طنجة”.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

إعلان أدسنس أول الموضوع

إعلان أدسنس أخر الموضوع